برهانيات كوم / الطريقة البرهانية
بسم الله الرحمن الرّحيم
وصلي الله علي سيدنا محمدٍ و علي آله و صحبه و سلّم
مقدمة:
من أجَلِّ الخدمة لدين الله أن تهدي إليه من النّاس من
تستطيع, قال صلي الله عليه و سلّم: (لأن يهدي الله بك رجلاً خيرٌ لك من حُمر
النِعم). و من هنا كان مشايخنا الكرام في الطريق أحرص النّاس علي الهداية لطريق
الله. و المريد الداخل إلي الطريق كمن نزل بدارٍ لم يكن يألفها من قبل فلذا وجب من
ضمن الخدمة أن يعطي جرعةً من العلوم تتناسب و حداثة عهده بطريق القوم قبل أن يبحر
في عميقه لأن علومه فيها ما يحتاج للإعداد القلبي و الروحي قبل العقلي. و قد قيل:
و ما كُلُّ عِلمٍ يُستفادُ دراسةً *** و لا سيّما
علمُنا الزاهرُ الوهبى
و من ههنا نبعت
لدي الفكرة في أن أكتب هذه الورقة أو الرسالة, لأجعل بين يدي قارئها من الأخوان و
الأخوات و المرشدين بالأخصّ ما يساعدهم في تقديم تلك المعلومة المفيدة للجديد في
الطريق, مما يعينه لفهم الضروري و يشحذ همّته للذكر و السير. و سآتي بالمعلومات في
تسلسل منطقي و في شكل أسئلة و إجابات. و الله المستعان:
(1)
لماذا
نحن في هذه الدنيا؟
سؤال يجب أن يسأله كلُّ عاقلٍ ليعرف من أين و إلي أين
يتجه. ما الحكمة من الخلق؟ و الإجابة أن الأمر ما هو إلا إرادةٌ إلاهيّة بحتة
اقتضت وجود المخلوقات, قال تعالي في الحديث القدسيّ: (كُنتُ كنزاً مخفيّاً فأردتُ
أن أُعرف فخلقتُ الخلقَ فتعرّفتُ إليه و بي عرفوني). فيبقي أن المقصود من الخلق هو
معرفة الله, و معرفته سنّ لها السبل المؤدية إليها, العبادة, قال تعالي: (وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) 56 الذّاريات . و إذا تمّ
كل ذلك من عبادةٍ و معرفةٍ قام العبدُ في أعلي مقامات الشكر يشكر الله علي نعمة الخلق و الهداية, قال تعالي:
(اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )
13 سبأ, و قد أقام صلي الله عليه و سلم الليل حتي تورّمت قدماه فقيل لماذا و قد
غفر له, قال: (أفلا أكون عبداً شكورا), و شكوراً غير الشكر إذ هي مرتبة تحقيق.
(2)
كيف
تتحقق معرفة الله؟
باتبّاع الرُسُل, بخلاف أهل المنطق و الفلسفة الذين
يعملون العقل في الوصول إلي معرفة الله, لأن الله عرّف عن نفسه بواسطة, (إذ لولا
الواسطة لذهب كما قيل الموسوط)
(3)
ما هو
الدين؟
أصل كلمة الدِّين من الدَّين (بفتح
الدّال), كأنك تردّ ديناً للذي خلقك, و فرائض عباداته دين بدليل وجوب قضائها إذا
فات أداؤها في أوقاتها. الدّين من الإدانة الإذعان. و الدّين عند الله الإسلام, الناسخ لما قبله,
كما جاء في الآية: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا
اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ
الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ) 19 آل عمران.
(4)
ما هي
مراتب الدين؟
الدّين له ثلاث مراتب أوضحها الحديث الشريف, الذّي يرويه
سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه, عن رسول الله صلي الله عليه وسلّم, قال:
الحديث: عن عمر (رضي الله عنه) قال: بينما نحن جلوس عند
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد
سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي (صلى
الله عليه وسلم) ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمّد
أخبرني عن الإسلام؟! فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "الإسلام أن تشهد
أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم
رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً"، قال: صدقت. فعجبنا له يسأله
ويصدّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله
واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟
قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: فأخبرني
عن الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، قال: فأخبرني عن
أماراتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء
الشاء يتطاولون في البنيان"، ثم انطلق. فلبثت ملياً، ثم قال: "ياعمر أتدري
من السائل؟" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلّمكم
دينكم". (رواه مسلم)
و يتضّح من هذا الحديث الشريف أن الدين يرتكز علي ثلاثة مراتب
و هي:"الإسلام" و "الإيمان" و "الإحسان". و قد فسّر
العلماء بأنّ:
الإسلام: هو
الشريعة و العمل بأعمال الظاهر .
الإيمان: هو
العمل بأعمال القلوب. " ليس
الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدَّقته الأعمال" الحديث.
الإحسان: هو
ثمرة العمل بأعمال الإسلام و الإيمان حتى يترقى المرء لمراقبة الله عزّ و جل.
و بالتفصيل يمكن أن نقول:-
الإسلام: هو
العمل بأركان الإسلام الخمس و هي:
شهادة ألاّ إله إلاّ الله و أنّ محمداً رسول الله
الصلوات الخمس
إيتاء الزكاة
صوم رمضان
حِجُّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا
الإيمان: هو
مرتبة أعمال المجاهدة حيث جهاد النفس و الاجتهاد في أعمال النوافل و المستّحبّات.
و من المعروف أنّ النوافل تأتي من جنس أعمال الفرائض. و لمّا كان نافلة الصلاة هي
صلاة ركعات زائدة و هناك أوقات مستحبة بأعداد مستحبة و الأمر مفتوح فوجد في الأمة
من يصلي ألف ركعةٍ في اليوم (كلٌّ حسب طاقته و همّته). و نافلة الزكاة هي الصدقة و
كل ما زاد علي ذلك. و نافلة الصّوم هي صيام الأيام المستحبة و ما زاد فمن يصوم
يوماً و يفطر يوماً و هكذا. و نافلة الحج هي أي حجة أو عُمرةٍ تأتي فوق حجة
الفريضة و هي مرة واحدة في العمر. و هنا يجب أن نتساءل: "إنّ الشهادة هي أعلي
ركن في الإسلام فما نافلتها, لمّا علمنا أن الفرض نطقها مرة واحدة في الحياة
لتأكيد إسلام المرء؟" و الإجابة أنّ نافلة الشهادة هي جزئين كما و أنّ
الشهادة جزئين: فنافلة "أشهد ألاّ إله إلاّ الله" هي الذكر, و نافلة
"أنّ محمداً رسولُ الله" هي الصلاة علي النبي (r).
ثُمَّ
تأتي مسألة هامة, و هي أنّ النفل يعلو في المرتبة مكانة الفريضة التي يتبع لها. و
هنا كانت نافلة الشهادة و هي (لا إله إلا الله) و نافلتها "الذكر و (محمد رسول الله) و نافلتها الصلاة علي النبي (r)
هي أفضل النوافل. و قد قيل:
الذّكرُ أعظمُ بابٍ أنت داخلُه
لله فاجعل له الأنفاسَ حُرَّاسا
الإحسان: هو
ثمرة الاجتهاد في النوافل. و هو مراقبة الله عزّ و جلّ في كل فعل. يقول سيدنا أبو
بكرٍ الصدّيق t: "ما
رأيت شيئاً إلاّ و رأيت الله قبله" و
يقول سيدنا عمر بن الخطّاب t: "ما
رأيت شيئاً إلاّ و رأيت الله عنده"
و من هنا يتضّح أن مراتب الدين الثلاثة تترادف علي النسق
الآتي:
كلمة الإسلام
تقابلها الشريعة أو علم اليقين
كلمة الإيمان تقابلها التصَوُّف أو عين اليقين
كلمة الإحسان تقابلها الحقيقة أو حق اليقين
(5)
ما هو
الطريق الصوفي؟
هو القسم من أقسام الدين المعني بتنمية الإيمان في القلب
و تزكية النفس مما ران عليها و إطلاق الروح من عبودية الجسد و طينيته إلي رحاب
سموات المعرفة و الحب الإلهي. حتي أن الإمام أبا حامد الغزالي اعتبر التصوف فرضاً
علي كل مسلم حتي يكتمل دينه. و الطريق من المعني اللغوي للكلمة, لا بد أنه ما يوصل
من نقطة أنت واقف لديها إلي غاية أن تقصدها, و الغاية هنا هي تحقيق المعرفة
الإلهية. و الطريق يمرّ بمراحل كثيرة ينتقل المريد (إلي المُراد) سالكاً عبرها
بدءاً من التخلّص من سطوة النفس إلي كثرة الذكر إلي شفافية الروح, و لا بد من خبير
قد سلك الطريق من قبل و خبره ليدلّ السالكين, قال تعالي: (إن الله اشتري من
المؤمنين أنفسهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله ...) الآية.
(6)
ما هي
أهمية الشيخ في الطريقة؟
تعلّم الدّين يأتي تلقيناً إذا فيه جانب شرعة (سلوك) و
جانب نهج (أخلاق), الآية: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ
فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا
جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ
فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ
جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) 48 المائدة و هذه
تستوجب وجود الشيخ المربّي, كما في كل صنوف العلم, فتلميذ الميكانيكا لابد له من
معلم يلقنه علوم الصنعة, و الطبيب لا بد له من أستاذ يعلمه عملياً ما يجب عليه
عمله مع المريض. و لهذا قال صلي الله عليه و سلم: (عليكم بسنّتي و سنّة الخلفاء
الراشدين المهديين من بعدي), إذ يسري هذا المعني إلي يوم القيامة.
و هنا المسألة لا يكفي معها الوعظ, إنما العمل هو
المُهِم. و تحكي قصّة كمضرب مثلٍ للفرق بين الوعظ و الإرشاد. لأن الوعظ كلام و
الإرشاد عمل بنظام, و هذا لا ينفي أهمية الوعظ. إذا المطلوب الدعوة بالحكمة و
الموعظة الحسنة. و الحكمة تنتج عن الإرشاد بالسلوك. تجري أحداث القصة كما يلي:
"كان هناك راعياً يسوق غنمه أمامه و كان الطريق الذي
يسلكه بالغنم يشق مزرعة زرع علي جانبي الطريق الزرع وارفاً أخضراً. و في أثناء
تسياره غشيت الراعي نوبةٌ من النُّعاس فوضع رأسه علي حجرٍ و نام. و استغلت الأغنام
فرصة عدم انتباه الراعي و أخذت تجول في الزرع يمنةً و يسرةً و قد غرّها منظرُ
الزرع الجميلِ لتملأ أشداقها بما تشتهي. و يصادف أن يأتي من "الاتجاه
المعاكس" نفرٌ منتفشين و متأهبين لوضع الأمورِ في نصابها طالما أن الراعي
"غير شايف شُغله". و أخَذَ كلٌّ منهم يجري وراء هذه الغنماية و تلك و هي
تجري من هذا الطرف إلي لآخر في مزرعة الناس. فنتج عن ذلك أن هؤلاء "ناس
الاتجاه المعاكس" أجهدوا أنفسهم "وتوّروا نفَسَهم" و لم يفلحوا في
إعادة الوضع لسابق عهده بل زادوه سوءاً. إذ أن الزرع لم يتضرر فقط بقفز الغنم من
هنا و هناك بل بقفز "ناس الاتجاه المعاكس" نفسهم داخل الزرع فزادوه
تحطيماً. و الحال كذلك إذا بعمَّك الشيخ (المربي) يأتي من الاتجاه الذي جاء منه
الراعي و يقول ل"ناس الاتجاه المعاكس" دعونا مما تفعلون فكلُّ ما سأفعله
هو أنني سوف أيقظ الراعي. و يوقظ عمّك الراعي و يرسل الراعي صافرة واحدة (بس) من
مزماره فتستجيب الغنم و تنتظم أمامه في السير إلي نهاية الطريق" انتهت القصة.
و الراعي في القصة المعني به القلب و الغنم هي الأنفس فانظر ما فعله الإرشاد بدلاً
عن الوعظ.
مِن عَجيبِ العُجابِ في أهلِ عَصرِي
أنَّ من يجهَلِ النَّصِيحَةَ يُسدِي
(7)
ما هو
موقع الذكر من العبادات و ما أهميته؟
الذِّكر هو الأشتغال بالله بذكر أسمائه بالجوارح مع حضور
القلب. و هو عكس النسيان الذي هو الأشتغال عن الله. و لذلك سمي الصوفية "أهل
الله" أي أهل " الأشتغال بالله". و نتيجته أن يُذكر المرء عند
الله. و قد حثّت الآيات علي الذكر فقال تعالى: ﴿لقد
كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا﴾ الاحزاب
12. ﴿فاذكرونى اذكركم واشكروا لى ولا
تكفرون﴾ البقرة 152. ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا
وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن
مِّنَ الْغَافِلِينَ ﴾ الاعراف
205. ﴿قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون﴾ الانعام
91. ﴿قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه
فصلى﴾ الاعلى 14، 15. ﴿الذين
امنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله الا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ الرعد
28. ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات اعد الله لهم مغفرة واجرا عظيما﴾ الاحزاب 35.
و قد جاء في الحديث القًدُسيّ: " من ذكرني في نفسه
ذكرتُه في نفسي و من ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأ خيرٍ منه".
و جاء في الحديث الشريف: "إذا مررتم برياض الجنّة
فارتعوا, قيل و ما رياض الجنّة. قال: "حلق الذكر".
(8)
ما هو
جهاد النفس أو الجهاد الأكبر؟
الجهاد المعروف هو ملاقاة العدو بالسيف و السلاح و ردّه
عن ديار الإسلام أو عن محاربته و معارضة دعوته. وقد سمّي رسول الله r
جهاد النفس بالجهاد الأكبر حين قال بعد الرجوع من إحدي الغزوات: " رجعنا من
الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر, ألا و هو جهاد النفس". و قيل أيضاً: "
إنّ أعدي أعدائك نفسك التي بين جنبيك". فخروج النفس عن مألوفاتها و اتِّباع
شهواتها أشق عليها من حمل السيف و الخروج لمقابلة العدو.
و قد قال في ذلك الشيخ الإمام البوصيري:
و النفس كالطفلِ إن تتركه شبَّ علي
حبِّ الرّضاع و إن تفطِمهُ ينفطمِ
و قد شُبِّه جهاد النفس و عملية السّعيِ في كبح جماحها و
إخضاعها بالجهاد, لأن لذلك نفس أركان الجهاد (الحرب):
- في الحرب
هناك عدوّان متواجهان و هنا أحد الأعداء هي النفس و الآخر الإنسان الروح و الأعضاء
- في الحرب
هناك قائد و هنا قائدك هو الشيخ المربي
- في الحرب
هناك سلاح و هنا سلاحك هو الذكر
- في الحرب
قاتل و مقتول و هنا المطلوب أن تقتل نفسك "و اقتلوا أنفسكم" صدق
الله العظيم.
و يقول سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه في فضل أهل
الذكر:
لله
قَومٌ شَرَوا بالدِّينِ أنفُّسَهُم
و
اتعبوها بذكر الله أزمانا
أبدانهم
تعبت بالليل أنفسهم
و
أنفسٌ أتعبت بالليل أبدانا
و قد قيل: "و
جاهِد تُشاهد"
و قد وصفت النفس بنعوت كثيرة هي في الحقيقة مراحل من
مراحل النفس و يقال عنها "الأنفس السبع" مثلما هنالك "الأرضين
السبع", من الأدنى إلي الأعلى كما يلي:
النفس الأمارة بالسوء: " و لا أبرئ نفسي إنّ النفس
لأمّارةٌ بالسوء" و واضح أنّها هي
التي تأمر صاحبها بفعل السيئات مثل ارتكاب المعاصي و التكاسل عن الذكر و اتباع
الشهوات بأنواعها.
النفس اللوّامة: " يا أيتها النفس اللوامة" و
هي التي تأتي بعد أن يفعل المرء فعلاً مخالفاً ثمّ تلوم الإنسان علي ما فعل.
النفس الملهمة: "و ألهمها فجورها و تقواها" و
هنا يكون هناك الإلهام و إمّا أن يفلح المرء في اتباع الإلهام للترقي للأمام أو
يخيب في ذلك فلا يبرح هذه المرحلة و ما زال أمامه الكثير "قد أفلح من زكّاها
و قد خاب من دسّاها"
النفس المطمئنة: و هي التي تخطت مرحلة الاختبار بنجاح و
أدركها الاطمئنان. و المطلوب عدم الكون لهذا الاطمئنان لأننا ما زلنا لم نكمل
المشوار (مشوار قتل النفس بكلِّ درجاتها).
النفس الراضية:
النفس المرضية:"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلي
ربِّك راضيةً مرضية, و ادخلي في عبادي وادخلي جنتي"
النفس المقبولة (الكاملة):
و قدم نظم في تبيين أحوال الأنفس الكثير, و لكن لنستمع
لما يقوله مولانا الشيخ رضي الله عنه:
كم من عدوٍّ في بنيَّ قتلته
حتى غدَو بتنَفُّس الصعداءِ
أمّارةٌ بالسُّوء بئس شرابها
فهُوَ الزُّعافُ و قِمَّةُ البلواءِ
في قَتلِها نِعمَ الثَّوابُ لقاتلٍ
عنكم أماطَ مصادرَ الإيذاءِ
مِن بعدِها لوَّامةٌ بدهائها
للناسِ بين تقاربٍ و تَنَاءِ
في خيرِها شرٌّ و شَرٌّ ضُرُّها
ليتَ المُحِبَّ يفُوزُ بالإِصغاءِ
مِن بعدِها نَجدُ الفُجُورِ لِمُبعَدٍ
نَجدُ التُّقَي بملائكِ الأسماءِ
قَد أفلَحَ السَّاري إلي نَجدِ التُّقي
خاب الذّي ما فَازُ بالإسراءِ
و المطمَئنَّةُ في عَظِيمِ فُضُولِها
هِيَ فِتنَةٌ تمشي علي استحياءِ
و الرَّاضِياتُ إذَا العزائمُ ثُبِّطَت
رَضِيَت بسيرٍ ثُمَّ باستِبقَاءِ
ثُمَّ التي قُبِلَت علي عِلَّاتهَا
في نَحرِهَا يبدُو أجَلُّ فِدَاءِ
مِن بَعدِها يَحيَا المُريدُ بِفِطرَةٍ
ذاك الفِطامُ و ذا أتَمُّ عَطَاءِ
ذِي سَبعَةٌ عِندِي و مَا مِن ثَامِنٍ
أملَيتُهَا و فَرغتُ مِن إملَائي
لا يستَطِيعُ الشيخُ يقتُلُ جَمعَهَا
أو بَعضَهَا إن كان ذا إغفَاءِ
و يقول مولانا الشيخ, من خلال مدحه لسيدنا الإمام الحسين
رضي الله عنه في إحدى قصائده, في إشارة أيضاً لموضوع الأنفس:
فَهوَ الشَّهِيدُ علي بَرَاءة قاتلٍ
فالنفسُ سَبعٌ قَتلُهُنَّ مُبَاحُ
و يوضِّح مولانا الشيخ رضي الله عنه من ضمن إشارات أفعال
الحِّج, أن رمي الجِمار السبع هو إشارة إلي قتل الأنفس, في قوله:
و ما كُلُّ من يَرمي الجِّمَارَ علي مِنَيً
بقاتلِ نفسٍ أو مُبَلَّغِ بُغيَةِ
ثم يقول:
ألا أن داء الحبِّ للصبِّ عِلٌّة
ولكنَّها تشفى عُضالَ الأعلَّة
و هنا عضال الأعلَّة المعني به الأنفس السبع.
وقيل:
اذبح النفس بسيف الاجتهاد
في رضى مولاك تحظى بالمراد
واكشف الحجب عن القلب به
وتأمل وجه مولاك الجواد
(9)
ما هو
منشأ الطرق الصوفية و سر التسمية, بهذا الاسم ؟
أولاً: التسمية:
تعددت الآراء حول منشأ تسمية "الصوفية" بهذا
الاسم. و يحمل ذلك الإمام القشيري في أن المسلمين بعد رسول الله صلي الله عليه و
سلم لم يتسم أفاضلهم في عصره بسمية سوي (صحبة رسول الله) إذ لا فضيلة فوقها, فقيل
لهم (الصحابة) و لما أدرك أهل العصر الثاني سُمي من صحب الصحابة (بالتابعين) و
رأوا في ذلك أشرف سمة, ثم قيل لمن بعدهم (بأتباع التابعين) ثم اختلف الناس و
تباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بامر الدين (الزهاد و العباد)
فلما ظهرت البدع و حصل التداعي, انفرد خواص اهل السنة المراعون أنفسهم مع الله
الحافظون قلوبهم من طوارق الغفلة باسم (التصوف) و اشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر
قبل المائتين من الهجرة.
و عن حقيقة كلمة (الصوفية) يقول سيدي الإمام فخر الدين
الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه موضحا حقيقة اختلاف الكثير من
المؤرخين:-
قيل ان الصوفية تسموا بهذا الإسم للبس الصوف, و هذا خطأ
لأننا يجب أن نستثني منهم الذين لا يرتدون الصوف.
و قيل لأنهم يصطفون للذكر, و هذا أيضاً خطأ لأننا يجب أن
نستثني منهم الذين يذكرون في حلقات.
و قيل نسبةً لأصحاب الصفة, و هذا أيضاً خطأ لأن أصحاب
الصفة صحابة و قد أنزل الحق فيهم آيات و الصوفية ليسوا صحابة.
فالصوفية أصلاً اسمهم (أهل الله) أي (أهل الاشتغال بالله)
لأنهم منشغلون دائماً بذكر الإسم (الله).
و المعروف و المشهور أن العباد سيمتثلوا بين يدي الله
للحساب علي كل شئ. و في هذا يقول تبارك و تعالي (ثمّ لتسألن يومئذ عن النعيم) فقد
أنعم عليك سبحانه بنعمة البصر, و ستسال عنها, ماذا فعلت بها؟ و عن اليد و الأذن و
الرجل و هكذا كل النعم, فقوله سبحانه (لتسألن يومئذ عن النعيم) بمعني أن أي نعيم
تبارك و تعالي أنعم به علي الصنف البشري سيُسأل عنه و يحاسب عليه, و هذا الحساب
حساب دقيق جداً. و لذلك اعتمد الصوفية علي انهم مشغولون دائما بالله, معتصمون بحبل
الله, منشغلون بالصلاة علي الحبيب و آله,يتقربون إلي الله بالنوافل التي شرعها
رسول الله صلي الله عليه و سلم, فمن هذه العملية و هي (الاشتغال بالله) أطلقوا
عليهم اسم (أهل الله) فهذا هو معني التصوف الحقيقي.
ثانياً: في فهم معني التصّوف:
يستطيع الإنسان أن يفهم معني التصّوف و موقعه من الدين
عند قراءة الحديث الشريف, الذّي يرويه سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه, عن رسول
الله صلي الله عليه وسلّم, قال: الحديث: عن عمر (رضي الله عنه) أيضاً قال: بينما
نحن جلوس عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض
الثياب، شديد سواد الشعر .... الخ) الوارد أعلاه.
و يتضّح من هذا الحديث الشريف أن الدين يرتكز علي ثلاثة
أقسام و هي:"الإسلام" و "الإيمان" و "الإحسان". و
قد فسّر العلماء بأنّ:
الإسلام: هو الشريعة و العمل بأعمال الظاهر .
الإيمان: هو العمل بأعمال القلوب. "الإيمان ما وقر في
القلب و صدّقه العمل".
الإحسان: هو ثمرة العمل بأعمال الإسلام و الإيمان حتى
يترقى المرء لمراقبة الله عزّ و جل.
و دور التصوف الرئيسي هو الأشتغال بالله بذكر أسمائه
بالجوارح مع حضور القلب. و هو عكس النسيان الذي هو الأشتغال عن الله. و لذلك سمي
الصوفية "أهل الله" أي أهل " الأشتغال بالله". و نتيجته أن
يُذكر المرء عند الله
و الذكر بالأسماء الإلهية يفضي إلي السير. و لمّا كان
السير هو غاية المحبّين للوصول إلي أعلي مراقي الأنس بالمحبوب, فقد قام أمر الطريق
الصُّوفي كُلُّه علي تمهيد الطريق للسير و توضيح غايات السير و أدواته حتى يتمكن
المريد بعلُّوِ همَّته و اجتهاده و إرشاد شيخ ٍ عارف بالله قد سبَر أغوار الطريق
فأصبح هو الخبير و الدَّال إلي الوصول إلي حضرة الكمال. ديدنهم في ذلك:
سَافِر يُكَلِّمُكَ الجَّمالُ السَّافرُ نَحوَ
الأَحِبَّةِ فالوجُودُ مُسَافرُ
و مع تعود وصفهم بالصوفية, نظم بعضهم في وصف حالهم
قائلاً:
ليس التصوف لبس الصوف ترقعه و لا بكاؤك إن غنّّي المغنون
ولا صـياحا ولا رقصـا ولا طرب ولا اختباط كأن قد صرت
مجنون
إن التصوف أن تصفو بلا كدر وتـتـبع الحق والقرآن
والديــنا
وان ترى خاشـعا لله مكتــئبا على ذنـوبك طول الدهر
محزونـا
و قال آخر:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا قدماً وظنوه مشتقاً من
الصوف
ولست انحل هذا الاسم غير في صافي فصوفي حتى لقب الصوفي
ثالثاً: من أين جاء التصوف؟ النبي صلي الله عليه و سلم
أول المتصوفين:
و النبي صلي الله عليه و سلم كان أول المتصوفين, حيث أُمر
بذكر الاسم (الله) في أوائل سور القرآن الكريم و قبل التشريع بسنوات عديدة, حيث
قال تعالي (واذكر اسم ربك و تبتل إليه تبتيلا). فكان صلي الله عليه و سلم يختلي
بنفسه في غار حراء الليالي الطوال, فماذا كان يفعل في تلك الليالي, إلا ذكر الاسم
(الله) و هو صلي الله عليه و سلم أول من ينفذ الكلام الإلهي, و بمعني آخر أن
الحبيب صلوات ربي و سلامه عليه و آله كان يذكر هذا الاسم و بشدة. و بعدما شاء الله
من الزمن كان الإسراء و في الإسراء فرضت الصلاة, و في السنة الثانية الهجرية فرض
الصوم, و توالي بعد ذلك فرض باقي التشريع بأكمله, فيكون النبي صلي الله عليه و سلم
مأمور بالذكر قبل التشريع بسنوات, فما بالكم نحن!!
التصوف و الصحابة:
إن الله تعالي حين أمر عباده أن يذكروه طلب الكثير من
الصحابة من حضرة النبي صلي الله عليه و سلم أن يتعلموا كيف يكون الذكر بالأسماء و
الأعداد التي يذكرونها. فأبان لهم صلي الله عليه و سلم أن أفضل الذكر إما أن يكون
بالسم الدال علي الذات و هو (الله) أو باسم النفي و الإثبات و هو (لا إله إلا
الله) و إما أن يكون سرا أو جهرا, أو جامعا لكلتا الحالتين كما قال تعالي (و اذكر
ربك في نفسك تضرعا و خيفة و دون الجهر من القول) و بيّن صلي الله عليه و سلم الذكر
السر في قوله الشريف عن سعد بن مالك قال: قال رسول صلي الله عليه و سلم (خير الذكر
الخفي و خير الرزف ما يكفي) و يوم يجمع الله الخلائق لحسابهم و تأتي الحفظة بما
حفظوا و كتبوا, يقول الله لهم: انظروا هل بقي له من شئ؟ فيقولون: ربنا ما تركنا
شيئا مما علمناه و حفظناه إلا و قد أحصيناه و كتبناه, فيقول تبارك و تعالي له: إن
لك عندي خبيئا لا تعلمه و أنا أجزيك به, ألا و هو الذكر الخفي, فاختار الصدّيق
الأكبر رضي الله عنه أن يعلمه رسول الله صلي الله عليه و سلم الذكر الخفي و الذكر
الجهري, فلقنه رسول الله صلي الله عليه و سلم (اسم الذات) بالسر و هو الاسم (الله)
و اسم النفي و الإثبات بالجهر و هو (لا إله إلا الله)س فدأب عليهما رضي الله عنه
ليكون جامعا بين السر و الجهر و الظاهر و الباطن و الحقيقة و الشريعة و القول و
الفعل, فكان من إخلاصه رضي الله عنه و شدة مراقبته أن احترق كبده و قد اشتهر عنه
أنه كان يشم منه رائحة الكبد المشوي, و شُهر من وصفه الذاتي ما رُوي في مجمع
الزوائد عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان غزير الدمعة و قيد الجوانح – أي
محزون القلب – كأن الحزن قد كسره و ضعّفه و يُري عليه الانكسار و شدة الخوف من
الله, شجيّ النشيد, يعني أن من يسمعه و هو يقرأ يحزن لسماع قراءته لشدة إخلاصه, و
قد قال رضي الله عنه (لا آمن مكر الله و لو إحدي قدميّ في الجنّة) و قال أيضا عند
سماعه الحديث الشريف (الصلاة في أول الوقت في رضوان الله و في وسطه في رحمة الله و
في آخر الوقت في عفو الله)’ لأن أكون في رضوان الله تعالي خير لي من أن أكون تحت
عفو الله, و هكذا كل من سلك علي مبدئه, و شرب من مشربه رضي الله تعالي عنه كما قال
تعالي (و آخرين منهم لما يلحقوا بهم و هو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء).
رابعاً: ظهور التصوّف:
و ممن سار علي درب الصديق و حاز هذا الفضل و الفخار
(السيد محمد بهاء الدين) الذي عثرف عنه أنه (نُقش) الاسم علي قلبه و لقب كل من
اتبعه (بالنقشبندية) و تفرعت و كثر فيها الأفاضل و اشتهر فيها الحزم و العزم و إن
أردت أن تعرفهم فاضلا عن فاضل فاتّبع أسانيدهم تجدها كسلسلة المحدثين و القراء, و
اعلم أن من مقتضيات حكم العليم الخبير سبحانه و تعالي أن جعل مقام أهل الإحسان
أعلي المقامات و هم أهل الله تعالي و خاصته من خلقه. و لذا جعل نشر مبادئهم علي
اثنين لا ثالث لهما بين جميع المسلمين علي الإطلاق, و هما (الصديقية) الذين أصلهم
سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه و (الخلوتية) الذين أصلهم الإمام علي بن أبي
طالب كرّم الله وجهه.
و أصل (الخلوتية) و التي جاءت تسميتها كذلك نسبة لسيدي
(علي الخلوتي) و سندها و مصدرها أن الإمام علي كرّم الله وجهه سأل النبي صلي الله
عليه و سلم فقال: دلّني علي أقرب الطرق إلي الله و أسهلها علي عباده و أفضلها عند
الله تعالي, فقال النبي صلي الله عليه و سلم: (أفضل ما قلت أنا و النبيون من قبلي
لا إله إلا الله, و لو أن السموات السبع و الأراضين السبع في كفة و لا إله إلا
الله في كفة لرجحت لا إله إلا الله) و في رواية: (يا علي لا تقوم الساعة و علي وجه
الأرض من يقول الله).
و قد ورد في الأثر أن الإمام علي كرم الله وجهه قال لحضرة
النبي صلوات ربي و سلامه عليه: كيف أذكر يا رسول الله, فقال النبي صلي الله عليه و
سلم: غمِّض عينيك و اسمع عني ثلاث مرات ثم قل أنت ثلات مرات و أنا أسمع, ثم قال
النبي صلي الله عليه و سلم: لا إاله إلا الله, ثلاث مرات مغمضا عينيه رافعا صوته و
علي يسمع, ثم قال علي: لا إاله إلا الله, كذلك و النبي صلي الله عليه و سلم يسمع.
هذا و إن كان صلي الله عليه و سلم قد أعطي العهد لكثير من
الصحابة كسيدنا أنس بن مالك خادم رسول الله ر و سيدنا عبد الله بن مسعود و سيدنا
سلمان الفارسي و سيدنا أبي هريرة و سيدنا حذيفة بن اليمان, و غيرهم لو استقصيناه
لضاق بنا المقام.
و لكن لم يشتهر قديما و حديثا إلا ما كان لسيدنا الصديق و
هم (النقشبندية) و ما كان للإمام عليّ كرّم الله وجهه و هم (الخلوتية) و إن كان عن
الإمام عليّ كثرت الفروع بالنسبة لأولاده, كما أُخذ أيضا العهد عن السيدة زينب بنت
الإمام علي كرم الله وجهه السيدة شعوانة البصرية و السيدة ريحانة الحبشية و السيدة
نفيسة المرضية و ميمونة البدوية و عابدة الكردية و مرجعهن جميعا إلي الإمام علي
كرم الله وجهه.
(10)
لماذا
تعدد الطرق الصوفية؟
و من المعروف أنه قد اخذ عن الصحابة رضوان الله عليهم من
التابعين الإمام الحسن البصري و تناقلت الطريقتين الصديقية (ما ورد عن سيدنا أبي
بكر الصديق رضي الله عنه) و العلوية (ما ورد عن سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه)
تناقلت الطريقتان حتي اجتمعتا لدي الإمام الجنيد رضوان الله عليه, ثم تناقلت عنه
حتي عهد الأقطاب الأربعة. و لذلك قد قيل:
و اسلك طريقاً مرعاه ملبن – و اذكر ذويه سلسل و عنعن
من الجنيد القطب المبيّن – إلي الرسول إلي المهيمن
و الأقطاب الأربعة هم: سيدي أحمد الرفاعي و له تنسب
الطريقة الرفاعية, و سيدي عبد القادر الجيلاني و له تنسب الطريقة القادرية
الجيلانية, و سيدي أحمد البدوي و له تنسب الطريقة الحمدية البدوية و سيدي إبراهيم
الدسوقي وله تنسب الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية, و الشاذلية نسبة إلي خامس
الاقطاب سيدي أبي الحسن الشاذلي. و هؤلاء الكرام يقومون من علم الحقيقة مقام أئمة
المذاهب الفقهية الأربعة من علم الشريعة. و قد تفرعت عنهم بعض الطرق الأخري كذلك
إذ عندما يكون السالك قد وصل مرتبة من مراتب الكمال و تأهل للإرشاد في بعض الحالات
يعطي الإذن بإنشاء طريقة و من هؤلاء الإمام محمد عبد الكريم السمان منشئ الطريقة
السمانية و هي فرع من القادرية و منهم الإمام أحمد بن إدريس منشئ الطريقة الأحمدية
الإدريسية و هي فرع من الشاذلية و كذلك كل من الميرغنية الختمية و الطريقة
التيجانية و غيرهم.
و تجتمع كل الطرق في أن منهج التربية في الطريقة يسلك
بالمريد عبر الذكر و الإرشاد و اتباع الشرع الحنيف إلي الترقي الروحي الذي يفضي به
إلي معية صاحب الطريقة ثم معية سيدنا الإمام الحسين رضي الله عنه (حيث قال صلي
الله عليه و سلم: حسين مني و أنا من حسين, أحب الله من أحب حسينا), ثم يترقي
المريد من معية سيدنا الحسين رضي الله عنه إلي معية حضرة المصطفي صلي الله عليه و
سلم, و يسري إلي أعلي مراتب السير و يبلغ من درجات الولاية ما شاء له الله أن
يبلغ. و نتيجة لكل هذا فإنه لا اختلاف بين الطرق و هي إنما تعبر عن مدارس مختلفة و
الغاية واحدة . و لذا تجد أهلها مترابطين متاحبين في الله لا يجمعهم إلا الله.
"لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألّف بينهم"
صدق الله العظيم.
و ليس هناك ثمّة إختلاف بين أهل الطرق بل انسجام و مودة
إذ الهدف واحدً, و في ذلك قيل:
كم بين حذّاق الجِدال تنازعٌ *** و ما بين عُشّاق
الجمالِ تنازعُ
(11)
من هم
السادة أقطاب التصوّف و ما دورهم؟
أولاً الأقطاب الأربعة, تولوا تنظيم التصوف في أربعة طرق
أصول كما نظّم فقه الشريعة في أربعة مذاهب الأئمة (أبوحنيفة, مالك, الشافعي, أحمد
بن حنبل):
السيد أحمد الرفاعي (شريف حسني) مقامه بأم عبيدة بالعراق,
صاحب الطريقة الرفاعية
السيد عبد القادر الجيلاني (شريف حسني) مقامه ببغداد
بالعراق, صاحب الطريقة القادرية
السيد أحمد البدوي (شريف حسيني) مقامه بطنطا بمصر, صاحب
الطريقة الأحمدية البدوية
السيد إبراهيم الدسوقي (شريف حسيني) مقامه بدسوق بمصر,
صاحب الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية
القطب الخامس:
السيد أبو الحسن الشاذلي (شريف حسيني) مقامه بحميثرا
بالصحراء جنوب شرق مصر, صاحب الطريقة الشاذلية
(12)
ما هي
الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية؟
قد يظُنُّ البعض أن الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية
طريقة حديثة التكوين, إذ لم تكن مشهورة في المجتمع قبل ظهورها علي يد مولانا الشيخ
محمد عثمان عبده البرهاني. و الطريقة البرهانية هي واحدة في واقع الأمر من أقدم
الطرق الصوفيّة, إذ يرجع إنشاؤها إلي القطب سيدي إبراهيم الدَّسوقي أحد الأربعة
أقطاب التَّصوف الذين تلتقي عندهم أصول الطرق الصوفية.
و الذي جعل أن الطريقة لم تكن منتشرة بصورة ملحوظة قبل
مجئ سيدي فخر الدين مولانا الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني الذي انطلق بالطريقة من
السودان إلي مصر إلي بقية أرجاء المعمورة, هو أن سيدي إبراهيم الدَّسوقي أعطي
الطريقة لأفراد قليلين في حياته من بينهم شقيقه سيدي موسي أبي العمران. و ظلّت غير
منتشرة كانتشار الطرق الأخري لموعد مع الزمان, أن يظهرها و ينشرها خليفة سيدي
إبراهيم الدسوقي , الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني, المكنّي بفخر الدين
و الطريقة سميت بالبرهانية نسبةً لكُنية سيدي إبراهيم
الدَّسوقي ب"برهان المِلَّةِ و الدِّين". و انتشرت باسمها المعروف الآن
"الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية" بعد أن قام سيدي أبي المواهب
الشاذلي (840هـ 1436م) بمزج الطريقتين
"الطريقة البرهانية الدسوقية" المنسوبة للقطب سيدي إبراهيم الدسوقي و
"الطريقة الشاذلية" المنسوبة
للقطب سيدي أبي الحسن الشاذلي,انتشرت في مصر ثم في بلاد المغرب حيث أعطاها للشيخ
أحمد زروق هناك و من وصلت عبر مشايخ أجلاء لمولانا الشيخ محمد عثمان رضي الله عنهم
أجمعين.
وتعتبر هذه الطريقة هى آخر وخاتمة الطرق الصوفية وهى الآن
أكثرها انتشاراً فى جميع أرجاء العالم وقد استطاع شيخ الطريقة الشيخ محمد عثمان
عبده البرهانى رضي الله عنه أن ينشر الطريقة فى جميع أرجاء السودان ومصر بالإضافة
الى افتتاح مراكز الطريقة فى بعض الدول الأوربية .. والشيخ محمد عثمان عبده
البرهانى هو من مواليد السودان عام 1902 ويرجع نسبه الشريف إلى سيدنا ومولانا رسول
الله صلي الله عليه و سلم عن طريق سبطه سيدنا ومولانا الإمام الحسين رضي الله عنه
الذي انتقل إلي مولاه في العام 1983 بعد أن أسس للطريقة مساجد و زوايا خاتماً ذلك
بوضع مخططات و حجر أساس مجمع الطريقة الرئيسي بالخرطوم بالسودان.
و بعد مولانا الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى تولي
رئاسة الطريقة ابنه مولانا الشيخ إبراهيم حيث عمت في زمنه الطريقة المشرقين
والمغربين وانتشرت فى أكثر من سبعا وثلاثين دولة فى قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا
وأوروبا.
واليوم وفى كنف مولانا الشيخ محمد إبراهيم محمد عثمان شيخ
الطريقة مازالت الطريقة تنتشر فى أنحاء العالم تروى عطش السالكين إلى الله وللآخرة
والباغين باب الوصول إلى حمى الدين والسلامة فى الدنيا والآخرة وذلك تحقيقا لنبوءة
سيدى إبراهيم القرشى الدسوقى حيث قال:
ولا تنتهى الدنيا ولا أيـامها
حتى تعم المشـرقين طـريقتى
(13)
ما هي
أوراد الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية و أهميّتها؟
الأوراد هي مجموعة الأذكار التي تعطيها الطريقة للمريدين
و هي من وضع مشايخ الطريقة الكبار بإذن من رسول الله صلي الله عليه و سلم, إذ
يعتبر الذكر عبادة غير توقيفية, أي: لا تُقيد بنمط واحد. و تأتي الأوراد بمعني ما
يداوم عليه المريد من الذكر, من باب (خير الأعمال ما داوم عليه العبد و إن قلّ)
الحديث, و تنقسم إلي:
- أوراد
ضرورية: الأساس الذي يتعبر به المريد قد انتسب للطريقة و هو بعد صلاتي الفجر
و العصر و مجمل عدده 700 تسبيحة: (بسم الله الرحمن الرحيم (100), استغفر الله
العظيم هو التوّاب الرحيم (100), لا إله إلا الله (100), يا دائم (300),
اللهم صلّ علي سيدنا محمد و آله و سلِّم (100).
- ذكر: و هو
ذكر الإسم المفرد "الله" مجرّداً من الغرض أو الطلب فإذا أضفت اليا
(يا الله) أصبح دعاء و ليس ذكراً بمعني الذكر, قال سيدي فخر الدين:
- و اذكر
اسم الحبيب ما رُمتَ وصلاً *** و تبتّل بذكره تبتيلا
- التحصين
و الدعاء: أوراد فيها أدعية كل له خاصيته في حفظ
الذاكر و كلها من القرآن
- فواتح
للمشايخ: السلسلة الصغيرة: نسب الطريقة من الشيخ إلي حضرة النبي صلي الله
عليه و سلم, السلسلة الكبيرة تشمل الأقطاب و آل البيت رضي الله عنهم.
- الصلاة
علي النبي: اللهم صل علي سيدنا محمد و آله و سلم
- تلاوة
القرآن الكريم, بالتوالي من أول المصحف إلي آخره و يفضّل بزم جزء أو نحوه مما
يستطيع القارئ يومياً و إهدائه زيادة في شرف المصطفي صلي الله عليه و سلم.
(14)
ما
أهميّة النيّة في الأعمال؟
يقول مولانا الشيخ أن أهم شئ في الأعمال النية. و أن حديث
النيّات حرص مصنّفي الحديث علي وضعه في مقدمة كتب الحديث و هو:
الحديث: عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب (رضي
الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "إنما الأعمال
بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله
ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجـر
إليه".
و من ذلك أن الشخص إذا نوي عملاً و لم يعمله فله أجر
عمله. و يحثُّ مولانا الشيخ أن يكون نيّة الأخ في الطريقة أن يسير إلي أعلي مراتب
السير, ف، لم يصل إلي الغاية حاز علي ما يصل إليه و كسب نية الوصول. و قد جاء في
الحديث الشريف: "إذا تعلَّقت هِمةُ أحَدِكم الثُّريا لنالها"
(15)
ما هي
مراحل الذّكر ؟
أربعة مراحل:
ذِكرُ اللِّسان: و هو ما عليه المريد حتى هذه اللحظة. و
واضح من معناه هو ترديد الذكر (الاسم) باللسان – مع الحضور طبعاً لأنّ أي عبادة
بدون حضور ليست لها معني. و هذه المرحلة من الذكر تسمي بمرحلة الرّضاع و الفطام
منها أن ينتقل الذاكر للمرحلة التالية (مرحلة ذِكر القَلب). و لهذا يقول مولانا
الشيخ رضي الله عنه:
و أفطُمُ مِنكُم مَن أَتَمَّ رِضاعَةً
و أُورثُ سِرِّي للَّذِي فِيهِ صِبغَتِي
ذِكرُ القَلب: و هذا يحدث بعد أن يكون المريد قد ذكر
باللسان كثيراً فتحرّك قلبه بالذكر – و موطن القلب هو تحت عضلة القلب الحسّية التي
تضخُ الّم و ليست هي – و هنا هناك ثلاث علامات:
- إذا انتبه
الذاكر من نومه وجدَ أنّ قلبه يذكر الاسم
- إذا انتبه
الذاكر أثناء عمله بالنّهار وجدَ أنّ قلبه يذكر الاسم
- إذا كان
الشخص (الذّاكر) نائماً و هناك أناسٌ يتحدّثون قربه سمع كلامهم
ذِكرُ الرُّوح: و الرّوح هي أساساً في كلِّ الجسد و يوجد
مركزها في الناحية اليمني من الصدر قبالة القلب. و إذا اجتهد الذاكر في ذكر القلب
وداوم عليه يصل حداً يفيض نور الذّكر من القلب علي الرّوح. و ذلك ما جاء فيه:
و يمتلئ الوعاء بالنور حتى
يَعَمُّ النورُ أطرافَ الوعاء
ذِكرُ الاصطُلام: و هذه المرحلة التي يفيض فيها نور
الذّكر من الرّوح علي سائر ذرّات الجَّسَد, فيصبح المرء ذاكراً بكلِّه. و هو ما
عُبرعنهُ بقولهم:
إذا ما ذَكرتَ اللهَ بالذّكرِ نفسِه
فلا هُوَ مَذكُورٌ و لا أنتَ ذَاكِرُ
فَكُن عَينَ ذِكرِ الذِّكرِ لا تَكُ ذَاكِراً
إِذا أنتَ لَم تعلَمهُ ما أنتَ شاكر
و في تنقُّله هذا من مرتبة ذكر للتي تليها, يبتغي المريد
أن يفي بالمطلوب من كثرة الذكر و ليس الذّكر فقط. و كل مرتبة تفضل التي سبقتها
بآلاف المرّات (لذرّة من أعمال القلوب تعدُل الآلاف من أعمال اللسان), حتى أن
الفرق بينهما كشخص يحمل جوال نقود (فكّة) و آخر يحمل شيك مصرفي جميل بكذا مليون. و
قد أسهب الإمام أبو حامد الغزالي في توصيف هذه المراتب و ما تتميز به من ميزات في
كتاب الإِحيَاء.
و حتى هذه المرحلة يكون المريد قد أكمل مراحل مرتبة
(السيّرُ إلي الله) و يبقي أمامه مرتبة (السّيرُ إلي الله).
(16)
ما هي
فوائد الذّكر؟
الذكر يجعل
الذاكر في حضرة الله سبحانه و تعالي: (أنا جليس من ذكرني) الحديث القدسي. فيتقلي
من ربّه فوائد الذكر هبةً من كريم. و يترقي بالروح للعليم و يشهد بعين بصريته
عجائب صنع الله, و يصحب النبي صلي الله عليه و سلم و أحبّته. و يتحقق بالعبادة
فيصير من أهل مراتب الإحسان و من نظم في سلك أوليائه. و لذا قيل: :الذكرُ منشور
الولاية".
(17)
ما معني
السَّير؟
مراتب السَّير:
لمّا كان السير هو غاية المحبّين للوصول إلي أعلي مراقي
الأنس بالمحبوب, فقد قام أمر الطريق الصُّوفي كُلُّه علي تمهيد الطريق للسير و
توضيح غايات السير و أدواته حتى يتمكن المريد بعلُّوِ همَّته و اجتهاده و إرشاد
شيخ ٍ عارف بالله قد سبَر أغوار الطريق فأصبح هو الخبير و الدَّال إلي الوصول إلي
حضرة الكمال. ديدنهم في ذلك:
سَافِر يُكَلِّمُكَ الجَّمالُ السَّافرُ
نَحوَ الأَحِبَّةِ فالوجُودُ مُسَافرُ
و هنا يُوضّح مولانا الشيخ رضي الله السّير أنواعه و
درجاته و كيف ينتقل المريد من مرحلةٍ إلي مرحلة. فالسّير ينقسم إلي قسمين رئيسيين,
قسمٌ يلي الآخر:
- السّيرُ
إلي الله
- السيّرُ
في الله
السيّرُ إلي الله:
السيّرُ إلي الله يبدأ منذ أول يوم يدخل فيه المريد في
الطريقة (البُرهَانيَّة) و ذلك بممارسة قراءة الأوراد و الأذكار حسبما يوجهه بها
المُرشد المباشر الذي يمثل الشيخ و المعتمد من الشيخ أو خليفته في المنطقة.
و تكون هناك فترة أعداد للسير أولاً بتعليم المريد الذكر
بالاستغفار بصيغة:"أستغفِرُ اللهَ العَظِيم هُوَ التَوَّابُ الرَّحِيم".
(و تَلقي آدمُ مِن ربِّه كَلَمَاتٍ فتَابَ عَليهِ إِنَّهُ هُوَ التَوَّابُ
الرَّحِيم) صدق الله العظيم. و أهمية الاستغفار هنا لنظافة القلب (إنَّ القلوبَ
لتصدأ و إنَّ جَلاؤهَا الاستغفار) حديث شريف. و عندما يلحظ المرشد أنّ المريد قد
جدّ و اجتهدَ أو حصّل عدد الاستغفار 70,000 مرة, ينقله إلي الذّكر بالتهليل (لا
إله إلاّ الله) – و الصوفية يضغطون علي إلا
- لتليين القلب (لا يزالُ لسانكَ
رطباً بِذكرِ الله) حديث شريف. و بعد تمرين كافٍ في الذكر بالتهليل, ينقل المرشد
المريد إلي اسم السير في الطريقة و هو "الاسم المُفرَد" (الله) و يذكره
المريد في أوراد الليل بدون عدد و عدا ذلك يقرأ منه أي عدد من المراتب يتيسر له و
المرتبة عددها (6666) و تأخذ ساعة 60 دقيقة تقريباً.
بعد ذلك يستمر المريد في المداومة علي الذكر باسم السير و
علي بقية الأوراد التي هي ضرورية لتحصين المريد و تقويته و يداوم كذلك علي
الاجتماع مع الأخوان و خاصةً في ليلة الجمعة (مساء الخميس) لحضور الذكر الجماعي
لما فيه من الخير و البركة. ومن هنا يتدرج المريد في مراتب الذكر المشار إليها
آنفاً.
السّيرُ في الله:
و هذه المرتبة هي مرتبة السير في الأسماء الإلهية وفقاً
للحديث الشّريف: "إِنَّ للهِ تِسعٌ و تِسعُونَ اسما مَن أَحصَاها دَخَلَ
الجنَّة). و الإحصاء هنا ليس بالتأكيد حفظها عن ظهر قلب كما يفعل تلاميذ المدرسة
الأساسية (الله, الرّحمنُ, الرّحيمُ, ........ الخ). لا بأس من الحفظ و لكن ليس هو
الإحصاء المطلوب. الإحصاء هنا هو أن يفي الذاكر بمقتضيات الذكر التي تؤهله للسير
بالأسماء إسماً إسماً"
إلَي الذَّاتِ سَيرِي فِي مَرَاتِبِ أسمَاءِ
بِصُورَةِ مَزجَ النارِ فِيَ مَعَ المَاءِ
حتى إذا ما أتم السير دخل الجنّة التي هي جنة المعارف. و
هي إحدى الجنَّتين الواردتين في: "و لِمِن خَافَ مقَامَ ربِّه جنّتان"
صدق الله العظيم.
(18)
من هو
الوليّ؟
الولي يعرّف بأنه من تولّي الله بالعبادة فتولاه بالعناية,
الولي يعرف بحفظ الله له و بما يجري علي يديه من خدمة الدين و حبّ الخلق له و
باستجابة الدعوة. و عموماً القاعدة و كما قيل: "ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل"
فتعرف أولياء كبار مثل ساداتنا الأقطاب و أئمة الدين و مشائخنا الكرام باستمرار
هديهم إلي قيام الساعة. (فَأَمَّا الزَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)
الآية 17 الرّعد
(19)
ما هو
الضروري من علوم الدين؟
أولاً: علوم الشريعة:
أن تأخذ من علوم
الشريعة ما يعينك علي تأدية العبادات (صلاة, زكاة, صوم, حجّ) علي الوجه الصحيح و
قبل ذلك أبواب الطهارة (الاستنجاء, الوضوء, الغسل, التيمم), ثم تأخذ من فقه
المعاملات ما يجنبك الوقوع في الحرام و الشبهات.
و لا بد من توخّي مصادر أخذك.
ثانياً: علم التجويد:
معرفة القراءة الصحيحة للقرآن الكريم
ثالثاً: علوم الحقائق, من شأنها شحذ الهمم للسير و الترقي
رابعاً: التحقيق في المسائل الخلافية بقدر ما يزيل اللبس,
و قد ألف الشيخ في ذلك مؤلفاً وافيا باسم: "إنتصار أولياء الرحمن علي أولياء
الشيطان", درأ فيه كل التهم الموجهة ممن يسمون أنفسهم بالسلفيين في حق مكانة
الرسول صلي الله عليه و سلم و أهل بيته و التوسل و التبرك و مشروعية الذكر و غيره.
(20)
ما هي
أهمية و مشروعية السبحة (المسبحة)؟
أما عن المسبحة والعدد فالأدلة عقلية ونقلية لا سبيل
لإنكارها فمن ذلك أن الله تعالت حكمته قيد العبادات فى الأوقات والمقادير، فما من
عبادة إلا ولها كم وكيف وميقات، فإذا تحقق هذا فى الأركان والفرائض فما الغريب فى
كونه فى النوافل حاصل؟! ومن وجه آخر إذا كان من أسماء الله الحسنى الاسمان
الكريمان الحسيب والمحصى ... فمن المعروف أن لكل اسم فى الكون تجلى فكيف يكون
تجليهما فى أشرف الأعمال على الإطلاق وهو العبادة؟ فلا شك أن يكون الحساب والإحصاء
ظاهرين فى كل العبادات الفرضية والنفلية!!! وهكذا صنع الشارع صلي الله عليه و
سلم... فقد أخرج الترمذى والحاكم والطبرانى عن السيدة صفية رضى الله عنها قالت
(دخل عليّ رسول الله صلي الله عليه و سلم وبين يدى أربعة آلاف نواة أسبح بهن
فقال: ما هذا يا بنت حيى قلت: أسبح بهن قال: قد سبحت منذ قمت على رأسك اكثر من هذا
... قلت: علمنى يا رسول الله قال: قولى: سبحان الله عدد ما خلق من شئ). وأخرج ابن
سعد عن حكيم بن الديلمى أن سيدنا سعد بن أبى وقاص
كان يسبح بالحصى ... وقال ابن
سعد فى الطبقات عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن جابر عن امراة حدثته عن فاطمة
بنت الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم أنها كانت تسبح بخيط معقود ... وأخرج
عبد الله بن الإمام أحمد فى زوائد الزهد من طريق نعيم بن محرز بن أبى هريرة عن جده
أبى هريرة رضي الله عنه إنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به ...
وقد نقل سيدى فحر الدين الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى فى الانتصار عن الإمام
السيوطى: وقد اتخذ السبحة سادات يشار إليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم كأبى هريرة رضي
الله عنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فكان لا ينام حتى يسبح به ثنتى عشرة ألف تسبيحة
؛ قاله عكرمة.
هذا و الغرض من المسبحة ألا يلتهي الذاكر بحفظ العدد و
يفقد التركيز علي الذكر, إذ السبحة عبارة عن عداد يقوم بتلك المهمة. هذا و قد عظّم
شأن السبحة كما المصلاة و غيرها من باب (و من يعظم شعائر الله فإنّه من تقوي
القلوب). و من ثمّ أطلق عليها البعض إسم
(حبل الوصل), و قال بعضهم فيها شعراً:
منظومة الشمل يخلو
*** بها البيبُ فتجمعُ من همته
(21)
ما هو
موقع محبة آل البيت من الدّين؟
محبة آل البيت فرض من الله في القرآن أنزله, إذ جاء في
محكم الذكر: " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى". و أخص
أولئك القربى هم عترته أبناء السيدة فاطمة الزهراء إذ صحّ عنه صلي الله عليه وسلّم
قوله: " كُلُّ الأنبياء أولادهم من أصلابهم إلا أنا فأولادي من صلب
عليّ".
و يشرح اللغويون أن "المودّة" هي درجة أعلي من
"المحبة", حيث المودّة تقتضي الحب مع جلب المنفعة للمحبوب.
قد يختلط الأمر علي البعض – لقلة الإدراك أو التشويش الذي
يحدث من هنا او هناك – أن محبة آل البيت تضيف الشخص المحب إلي قائمة
"الشيعة" و هذا أكثر ما أود التنبيه إليه. هناك ناس مغرضون و ضعاف نفوس
(ربنا يشفيهم) مجرد ما يرون تعلقك بآل البيت يظنون أنك أصبحت شيعيّاً. و لسنا هنا
بصدد البحث في تقييم الشيعة و نكتفي بالقول أنهم إخواننا في الدين و ليس هناك نا
يدعو لإثارة عوامل الفُرقة بقدر ما هو العكس.
ما جدّ في مناطقنا العربية و الإسلامية أنه نسبةً للبث
الإعلامي المكثف و انتشار حركات تدعي الإصلاح و تستهدف إقصاء المسلمين عن التعلق
بأهل البيت ظنّاً منهم أنّ ذلك يقويهم في وجه الشيعة, فقد أصبح هناك تشويش حقيقي.
لو نظرنا في الأسماء لتي كانت متداولة في بلاد أهل السُنّة قبل استحداث أسماء
جديدة للمواليد, كانت كل الأسماء هي علي و حسن و حسين و فاطمة و أبو الحسن و
الزهراء بالإضافة لأسماء الرسول صلي الله عليه وسلّم (محمد, أحمد, يس, طه ... الخ)
و أسماء الصحابة. و لم يحسب أحدٌ أن ذلك ناتج عن التشيع بل هو المحبة الصحيحة و
الواجبة لآل بيت المصطفي صلي الله عليه وسلّم.
بمراجعة التاريخ نجد أن كلّ الأئمة كانوا يحبّون آل البيت
و يحفظون لهم مكانتهم. أنظر إلي سيدنا الإمام أبي حنيفة النعمان, حين اتهم بالتشيع,
ماذا قال:
إنّ العوازِلَ قد كَووا قلبي
بنارِ العزلِ كيّ
عزلوا و كم عزلوا و كم
وصل ألأسي منهم إليّ
ما هِمتُ يوماً بالرُبابِ
و لا بسُعدي و لا بمي
لكِن شُغفتُ بحُبِ آل البيت
بيتِ بني قُصي
المنتمين بذلك النّسب
الرفيع إلي لؤي
هُم عُدّتي و وسيلتي
مهما لواني الدّهرُ لي
و أنظر إلي سيدنا الإمام أبو إدريس الشافعي, حين اتُهم
بالرافضية, ماذا قال:
لو كان رفضاً حبُ آلِ محمدٍ
فليشهَدِ الثَّقَلانِ إنيّ رافضي
و شاهدٌ من أحد أئمة العصر الحديث المحترمين, مولانا
الإمام محمد متولي الشعراني. فقد كان يحتفل بمولد السيدة نفيسة (وهي بالمناسبة
أستاذة الإمام الشافعي), و كان رضي الله عنه يعقد درسه اليومي في مسجد مولانا
الإمام الحسين بالقاهرة, و علي خلفية مقعده كتب (بالأرابيسك) " إنّما يُريدُ
اللهُ ليُذهِبَ عنكمُ الرُّجسَ أهلَ البيتِ و يُطَهِّرَكم تطهيراً" صدق الله العظيم.
كنت مرة أقف زائراً مقام مولانا الحسين رضي الله عنه جنباً إلي جنب مع الشيخ
الشعراوي فهو من علماء الأمة العاملين و هو صوفي شاذلي في الأساس.
و لا يحاول إثناؤك عن الحقّ إلا المتشدِّقون الذين يهون
عليهم أن يقضوا يومهم كله في كيل السباب للآخرين و لا يهون عليهم أن يصلّوا علي
النبي (10) مرات فقط. أي قسوة و أي جفاء. لقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلّم:
" ألا من مات علي بُغض آل محمدٍ جاء يوم القيامة و مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من
رحمة الله" أعوذ بالله لي و لكم من ذلك.
و عندما بلغه صلي الله عليه وسلّم حديث لصحابي في حق عمّه
أبي لهب, لم يرض ذلك و لكن بأسلوبه النبوي الذي لا يميل إلي الفضح و التشهير أمام
الملأ, أشار إلي ذلك الشخص بقوله: " ما بال أقوامٍ يؤذونني في قرابتي".
لم يرض أن يُمَس أبو لهب فهل الإشارة واضحة؟ هل الإشارة واضحة؟
و عندما بلغه خبرٌ عن أنّ مولانا الإمام علي كرم الله
وجهه كان ينوي أن يتزوج علي السيدة فاطمة, قال صلي الله عليه وسلّم: " فاطمةٌ
بضعةٌ مِنّي, يرضيني الذي يرضيها و يؤذيني الذي يؤذيها"
(22)
ما معني
أخوة المؤمنين؟
الأخوة في الدين سمة لازمة و محل رضا الله سبحانه و تعالي
و رسوله الكريم صلي الله عليه و سلم, القائل: (إنّما المؤمنون إخوة), ذلك أن
الإيمان مكانه القلوب, و القلوب إذا تآلفت تحابّت, قل جلّ من قائل في محكم تنزيله:
(وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ, لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ, إِنَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ) 63 الأنفال, فالذكر ألّف بينهم. و العبادات كلّها مبنية علي
إشاعة مبدأ التآخي. و في ردّ علي سؤاله
كيف يشكر المريد الشيخ؟ قال شيخنا رضي الله عنه: "بخدمة أخوانه في
الطريقة". و ذلك محبّة الأخ من محبةّ
الشيخ التي هي كذلك من محبّة سيدنا النبي صلي الله عليه و سلم, القائل صلي الله
عليه و سلم: " أَحِبُّوا اللَّهَ
لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ ،
وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي "
(23)
ما هو
الذكر الجماعي؟
الذكر الجماعي في كل الطرق الصوفية يتبع أسساً مشتركة مع
اختلاف في الشكل فقط. فهي ليلة الذكر أو الحضرة. و عادةً تقام ليلة الكر في مساء
يوم الخميس و باللغة العربية الصحيحة "ليلة الجمعة". و مهم جداً للمريد
و المحب و غيرهم من أهل ذكر الله حضور هذا الذكر الجماعي لما فيه من دفعة روحية
عالية. و يتخذ الذكر الجماعي مرجعيته من قوله تعالي: " و اصبر نفسك مع الذين
يدعون ربَّهم بالغُدوِ و الآصال يريدون وجهه و لا تعدو عيناك عنهم تريد زِينةَ
الحياة الدّنيا" صدق الله العظيم. و ذلك لما أراد رسول اله صلي الله عليه
وسلّم لانصراف عن أهل الصُّفة و هم يجتمعون للذكر في أحد جوانب المسجد. و يتخذ
مرجعية من الحديث الشريف: "إنّ لله ملائكةٌ يطوفون بحِلًقِ الذّكر"
و في الذكر ينتظم الذاكرون في شكل حلقة (كما في الطريقة
القادرية, السمانية) أو في شكل صفوف متقابلة (كما في البرهانية, البدوية, الرفاعية
و السمانية القريبية).
شكل:
و يقف المنشدون في رأس الصف أو داخل الحلقة و ينشدون
نوعين من الإنشاد: إنشاد مرافق لأداء الذكر و إنشاد سماعي ف الفواصل بين طبقات
الذكر. و الذكر إما أن يكون بالاسم المفرد "الله" أو التهليل "لا
إله إلا الله. و أحيانا بال"هُو".
و للذكر آداب تحصل بها البركة و تتنزل الملائكة بالرحمة
علي الذاكرين, و يكونون في موضع الرضا من المذكور فيشرح صدورهم لعبادته و يتوقهم
لرؤيته و يذكرهم فيمن عنده, و من أهم هذه الآداب:
النِيَّة, كما في أي عمل
الوضوء قبل الجلوس للذكر لضمان طهارة الجسد و إفراغ القلب
من أي شاغلٍ أو غضبٍ تجاه أحد لضمان صفاء القلب حتى يتنزل المدد و البركات.
الجلوس حيث ينتهي بك المجلس. فلا تتخطي و إن كنت حريصاً
علي أن تكون في مكانٍ معين فعليك التبكير بالحضور.
إغماض العين, حتى لا تنشغل بغير ذكر الله
إطفاء النور ما عدا الإضاءة الخافتة من الزى الذي يوضع في
مقدمة الصف.
و غَمِّض العَين حالَ الذّكرِ من أدَبٍ
و اطفِ السَّرَاجَ و شَاهِد سِرَّ أوراد
الاتِّباع: فتنطق بالاسم كما ينطق الذاكرون و بنفس الزمن
فلا صوت نشاذ.
و أما اتباعُ
الذّاكرِين لبعضهم
برفعٍ و خَفضٍ فهو من أدَبٍ الذّكرِ
البقاء حتى نهاية الذكر:
و اصبر لها حتى تفوزَ بختمها
إنّ الجوائز قبله لا تُقسمِ
عدم الخروج أثناء الذكر إلا لعذر مُلَّحٍ. و إذا خرجت
استأذنت بقراءة الفاتحة لشيخك و كذلك عندما تعود:
إلاّ لعًذرٍ شَاغِلٍ
حسن الظن بأهل الذكر: فيحسن الظن بكل من أتي لحلقة الذكر:
و حَسَّنِ الظَّنَ بالذُّكَّارِ إنَّهُمو
لولا العِنَايَةِ لم يأتوا إلي اللهِ
عدم الترديد خلف المنشد, و عدم طلب تكرار البيت منه
(مثلاً بقول "عقَّب".
عدم اصطناع الحال. و لا بأس من حال يأتي قهرًاً.
الدُّعاء في نهاية الحضرة للجميع و للمسلمين و لأهل
الطريقة و أهل البلد و كل من له حاجة و في قصده الفاتحة و الصلاة علي النبي صلي
الله عليه وسلّم في بداية الحضرة و نهايتها.
(24)
ما علاقة
الصُوفيّة بالسياسة؟
أهلنا السادة الصوفية و منذ أقدم العصور من أهم قواعدهم
الزهد و من أهم لوازم ذلك الزهد الابتعاد عن السلطان, و قد عبّر عن ذلك شيخنا
الشيخ فرح و د تكتكوك (المدفون بجوار خزّان سنّار):
يا واقفاً عند أبواب السلاطين
أرفق بنفسك من همٍّ و تحزين
إن كنت تطلبُ عِزّاً لا نفاد له
فلا تقف عند أبواب السلاطين
و لكن ذلك لم يمنعنّهم من مناصرة لسلطان علي الحق و
مناصحته في الحق. و وصل ذلك إلي خوض المعارك الجهادية لرد أعداء الوطن و الدين. و
في مصر في زمن سيدي أبي الحسن الشاذلي و سيدي أحمد البدوي كانت قد اجتاحت فرنسا
مصر فيما عُرف بالحروب الصليبية فقاتل الشيخان برفقة مريديهم أيما قتال حتى ردّوا
كيد الأعداء.
الصوفيّة في العموم يبتعدون بكياناتهم عن السلطة و لكن
لتأثيرهم المنتشر في كل أنحاء البلاد لهم الأثر الكبير و لذلك يتفاعل المريدون
بكلّ إيجابية لما يحقق خير البلاد و العباد و فوق ذلك يحافظ علي الوحدة الاجتماعية
و السياسية و الدينية.
كذلك يترك للمنتسب للطريقة اختيار مواقفه السياسية من غير
تأثير أو تدخل. بل و يحضّ الشيخ علي الاهتمام بقضايا الوطن و المجتمع.
(25)
أين تجد
أهل الطريقة؟
الطريقة منتشرة في كل بلاد العالم – الحمد لله – و مهمة
المرشد أن يدلّ المريد علي أقرب زاوية لمكان سكنه أو عمله حتى يتواصل مع الأخوان و
يحظي بحضور الدروس و ليالي الذكر.
يمكن زيارة موقع الطريقة الرسمي علي الإنترنيت لمعرفة
المزيد:
و صلّي
الله علي سيدنا محمدٍ و علي آله و صحبه و سلّم
الذّكرُ أعظمُ بابٍ أنت داخلُه
|
لله فاجعل له الأنفاسَ حُرَّاسا
|
مِن عَجيبِ العُجابِ في أهلِ عَصرِي
|
أنَّ من يجهَلِ النَّصِيحَةَ يُسدِي
|
و النفس كالطفلِ إن تتركه شبَّ علي
|
حبِّ الرّضاع و إن تفطِمهُ ينفطمِ
|
لله
قَومٌ شَرَوا بالدِّينِ أنفُّسَهُم
|
و
اتعبوها بذكر الله أزمانا
|
أبدانهم
تعبت بالليل أنفسهم
|
و
أنفسٌ أتعبت بالليل أبدانا
|
كم من عدوٍّ في بنيَّ قتلته
|
حتى غدَو بتنَفُّس الصعداءِ
|
أمّارةٌ بالسُّوء بئس شرابها
|
فهُوَ الزُّعافُ و قِمَّةُ البلواءِ
|
في قَتلِها نِعمَ الثَّوابُ لقاتلٍ
|
عنكم أماطَ مصادرَ الإيذاءِ
|
مِن بعدِها لوَّامةٌ بدهائها
|
للناسِ بين تقاربٍ و تَنَاءِ
|
في خيرِها شرٌّ و شَرٌّ ضُرُّها
|
ليتَ المُحِبَّ يفُوزُ بالإِصغاءِ
|
مِن بعدِها نَجدُ الفُجُورِ لِمُبعَدٍ
|
نَجدُ التُّقَي بملائكِ الأسماءِ
|
قَد أفلَحَ السَّاري إلي نَجدِ التُّقي
|
خاب الذّي ما فَازُ بالإسراءِ
|
و المطمَئنَّةُ في عَظِيمِ فُضُولِها
|
هِيَ فِتنَةٌ تمشي علي استحياءِ
|
و الرَّاضِياتُ إذَا العزائمُ ثُبِّطَت
|
رَضِيَت بسيرٍ ثُمَّ باستِبقَاءِ
|
ثُمَّ التي قُبِلَت علي عِلَّاتهَا
|
في نَحرِهَا يبدُو أجَلُّ فِدَاءِ
|
مِن بَعدِها يَحيَا المُريدُ بِفِطرَةٍ
|
ذاك الفِطامُ و ذا أتَمُّ عَطَاءِ
|
ذِي سَبعَةٌ عِندِي و مَا مِن ثَامِنٍ
|
أملَيتُهَا و فَرغتُ مِن إملَائي
|
لا يستَطِيعُ الشيخُ يقتُلُ جَمعَهَا
|
أو بَعضَهَا إن كان ذا إغفَاءِ
|
فَهوَ الشَّهِيدُ علي بَرَاءة قاتلٍ
|
فالنفسُ سَبعٌ قَتلُهُنَّ مُبَاحُ
|
و ما كُلُّ من يَرمي الجِّمَارَ علي مِنَيً
|
بقاتلِ نفسٍ أو مُبَلَّغِ بُغيَةِ
|
ألا أن داء الحبِّ للصبِّ عِلٌّة
|
ولكنَّها تشفى عُضالَ الأعلَّة
|
اذبح النفس بسيف الاجتهاد
|
في رضى مولاك تحظى بالمراد
|
واكشف الحجب عن القلب به
|
وتأمل وجه مولاك الجواد
|
ولا تنتهى الدنيا ولا أيـامها
|
حتى تعم المشـرقين طـريقتى
|
و أفطُمُ مِنكُم مَن أَتَمَّ رِضاعَةً
|
و أُورثُ سِرِّي للَّذِي فِيهِ صِبغَتِي
|
و يمتلئ الوعاء بالنور حتى
|
يَعَمُّ النورُ أطرافَ الوعاء
|
إذا ما ذَكرتَ اللهَ بالذّكرِ نفسِه
|
فلا هُوَ مَذكُورٌ و لا أنتَ ذَاكِرُ
|
فَكُن عَينَ ذِكرِ الذِّكرِ لا تَكُ ذَاكِراً
|
إِذا أنتَ لَم تعلَمهُ ما أنتَ شاكر
|
سَافِر يُكَلِّمُكَ الجَّمالُ السَّافرُ
|
نَحوَ الأَحِبَّةِ فالوجُودُ مُسَافرُ
|
إلَي الذَّاتِ سَيرِي فِي مَرَاتِبِ أسمَاءِ
|
بِصُورَةِ مَزجَ النارِ فِيَ مَعَ المَاءِ
|

إنّ العوازِلَ قد كَووا قلبي
|
بنارِ العزلِ كيّ
|
عزلوا و كم عزلوا و كم
|
وصل ألأسي منهم إليّ
|
ما هِمتُ يوماً بالرُبابِ
|
و لا بسُعدي و لا بمي
|
لكِن شُغفتُ بحُبِ آل البيت
|
بيتِ بني قُصي
|
المنتمين بذلك النّسب
|
الرفيع إلي لؤي
|
هُم عُدّتي و وسيلتي
|
مهما لواني الدّهرُ لي
|
لو كان رفضاً حبُ آلِ محمدٍ
|
فليشهَدِ الثَّقَلانِ إنيّ رافضي
|
و غَمِّض العَين حالَ الذّكرِ من أدَبٍ
|
و اطفِ السَّرَاجَ و شَاهِد سِرَّ أوراد
|
و أما اتباعُ
الذّاكرِين لبعضهم
|
برفعٍ و خَفضٍ فهو من أدَبٍ الذّكرِ
|
و اصبر لها حتى تفوزَ بختمها
|
إنّ الجوائز قبله لا تُقسمِ
|
إلاّ لعًذرٍ شَاغِلٍ
|
و حَسَّنِ الظَّنَ بالذُّكَّارِ إنَّهُمو
|
لولا العِنَايَةِ لم يأتوا إلي اللهِ
|
يا واقفاً عند أبواب السلاطين
|
أرفق بنفسك من همٍّ و تحزين
|
إن كنت تطلبُ عِزّاً لا نفاد له
|
فلا تقف عند أبواب السلاطين
|